The Necessity of Multilateral Dialog: Maurice Gourdault-Montagne’s Editorial

Editorial | 
Posted on : 9 نوفمبر 2020 
   By Maurice Gourdault-Montagne

Introduction

تعرّضت فرنسا مؤخّرًا لعمل إرهابي جديد، بعد أن أقدم لاجئ سياسي – كانت فرنسا قد استقبلته وزعم أنّه يتبع دين الاسلام – على قطع رأس مدرّس للتاريخ والجغرافيا في وضح النهار.

دأب على الترحيب باللاجئين، لا يمكن للديوان العالمي أن يبقى صامتًا في وقتٍ تتصاعد فيه حدّة التوتّر، بل يزيد كفاحه لأن يكون منبرًا تتحاور فيه الثقافات والحضارات المختلفة وتتلاشى فيه الحساسيات في إطار احترام بعضنا البعض. فالحوار هو الحلّ في خضم الأحداث التي تهزّ عالمنا المُعَولَم، حيث أنّ تبادل وجهات النظر يحول دون سوء الفهم ويقضي على الخلافات ويحثّنا على خلق أجواء انسجام كفيلة بتعزيز السلام والازدهار لجميع الشعوب. 

A big jolt in a land of refuge

لقد لقي هذا العمل الإرهابي الذي يتعارض مع كل القيّم الحضارية التي تقدس الحياة البشرية، إدانة على نطاق واسع. إننا نعلم بأن العالم يمر عبر دوامة عنف ضربت جميع المجتمعات، يزعم مرتكبوها أنهم يقدمون عليها لأسباب متعددة قد تكون سياسية، أو دينية، أو أيديولوجية، وأحيانًا جميع الأسباب الثلاثة في آن واحد. غير أن الصدمة لها وقع شديد على فرنسا، لأن جريمة قطع رأس هذه المعلم، اريد بها ضرب النظام التعليمي، ووقف وسائل نقل المعرفة، وتعطيل جميع النشاطات التعليمية للجيل الناشئ.

بَنَت فرنسا نفسها على مرّ القرون على أساس مشروع وطني التزم به جميع المواطنين الذين هم جزء منها اليوم. كما أنّ الثورة الفرنسية وُلدت من رحم عصر التنوير والفلاسفة وموسوعة "أنسيكلوبيدي" ووضعت أسسًا للمجتمع متمحورةً حول التحرّر من كافة أشكال القهر والاستبداد. ثمّ أخذت تتّسع مساحة هذه الحرّية مع مرور الوقت لتثمر عن حرّية التعبير عن الرأي وحرّية التجمّع وحرّية الصحافة. وإنّ فرنسا اليوم المولودة من مخاض الثورة غير قابلة للتجزئة، ولا تسمح لتجمّعات من المواطنين بحبس أنفسهم داخل فقاعات مجتمعية رافضين القانون العام. وسعيًا إذًا إلى ترسيخ وحدة المجتمع، تحرص فرنسا ما بعد الثورة على تحقيق المساوا، ما يعني أنّ المواطنين متساوون أمام القانون وأنّ المجتمع بالتالي قائمٌ على مبدأ الأخوّة.

وتُعَدّ حرّية الديانات مسألة حسّاسة في بلدٍ مثل فرنسا متجذّرٍ في التقاليد اليهودية والمسيحية وعانى طويلًا من حروب دينية دموية. وقد صدر قانون الفصل بين الكنيسة والدولة في عام 1905 ليُنهي قرونًا من العداء بين السلطة الزمنية وسلطة الكنيسة. وبالفصل بين المؤسسات العامة والمنظمات الدينية، يرسّخ هذا القانون مبدأ العلمانية ويشكّل الركن الأساسي الذي بُنيت عليه فرنسا. فهو القانون الذي يصون حرّية الفكر ويقدّس المساواة بين الجميع أمام القانون مهما كانت آراؤهم ومعتقداتهم. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا التحوّل بدأ في مناخ من التوتّرات السياسية الحادة وما لبث أن خفّف الاحتكاك بين المجتمع والدوائر الدينية في ذلك الوقت ليعمّ السلام الاجتماعي الديني الذي لم يتزعزع إطلاقًا منذ حينها.

Freedom of religion

ولكنّ القضية الدينية تعود اليوم إلى الواجهة. ولطالما أبدت فرنسا منذ قرونٍ وعبر أجيالها المتعاقبة اهتماماً وإعجاباً واحتراماً لحضارات الإسلام وثقافاته وعلمائه وفلاسفته وفنّانيه وفكره ورؤيته للبشرية وللعالم. كما تواصل فرنسا منذ عقودٍ طويلة استقبالها لجيلٍ بعد آخر من المسلمين من أصول مختلفة، تماشيًا مع الأحداث التاريخية والتنمية الاقتصادية وما ينتج عن ذلك من تنقّل للناس. وأولئك الملايين من المسلمين هم مواطنون فرنسيون اليوم، وتفخر فرنسا بهم. ولا يقلّون أهمّية عن كل الذين نجحوا في ترسيخ انتمائهم إلى المجتمع وأصبحوا يشكّلون قيمة كبرى لفرنسا، شأنهم شأن الإيطاليين والإسبان والبولنديين والبرتغاليين والأرمن ويهود أوروبا الوسطى وغيرهم. وقد جلبوا كلّهم إلى فرنسا كرامتهم وذكاءهم ومهاراتهم المهنية، وبالتالي ساهموا في إثراء الوطن، ملتزمين كمواطنين كاملي العضوية في الأمّة الفرنسية التزامًا يُقتدى به. ويقدّم كثيرٌ من أبناء وطننا من المسلمين أفضل ما يمتلكون من قدرات، سائرين بجدارة على خطى آبائهم أو أجدادهم الذين ضحّوا بدمائهم من أجل فرنسا خلال الحربين العالميّتين.

لكنّ فرنسا لا تخلط بين التطرف الديني العنيف وبين الممارسات الدينية للمواطنين المسلمين. إن خبرتها الطويلة وتفاعلها الإيجابي مع المسلمين في أرجاء العالم يحمياها من خطر الوقوع في الفخ الذي يسعى البعض إلى نصبه لها.

وفي ظلّ الوضع الراهن، من الضروري توحيد صفوف المجتمع بأكمله وحماية جميع الرجال والنساء الفرنسيين من الانقسامات التي قد تظهر في المجتمع بسبب تنوّعه الذي في الوقت نفسه يمدّه بالقوّة. وتقع مهمّة حماية المجتمع على كاهل السلطات الحكومية التي تعمل بلا كلل لإنجاز واجباتها. وبما أنّ كافة الدول معنيّة بالحرب ضد الإرهاب، فلا مفرّ من التعاون الوثيق والثقة المتبادلة لمكافحته والقضاء عليه، لأنّ الإرهاب عدوّ الجميع ويجب علينا كلّنا أن نعي ذلك. ويجب على فرنسا أن تؤدّي دورها الكامل في خوض هذه المعركة بمنتهى الوضوح.

لكنّ فرنسا لا تخلط بين التطرف الديني العنيف وبين الممارسات الدينية للمواطنين المسلمين. إن خبرتها الطويلة وتفاعلها الايجابي مع المسلمين في أرجاء العالم يحمياها من خطر الوقوع في الفخ الذي يسعى البعض إلى نصبه لها. تريد فرنسا أن تمنح جميع مواطنيها مكانتهم للعيش تحت سقف واحد، مع احترام القواعد ذاتها والالتزام بالمشروع الوطني نفسه، من دون التخلي عما يربط كل منهم بأصولهم. هذا هو مغزى ما يسمى بـ"العلمانية" في فرنسا، وهو مصطلح غير مفهوم تماما حتى الآن، لكنه يكفل في حقيقته حرية الضمير وحرية ممارسة المواطنين لدياناتهم. ما يزال هناك الكثير من سوء الفهم والالتباس اللذين يحيطان بهذه المسائل، الأمر الذي يتطلب مزيدا من الجهود لكي يكون لكل فرد مكانته اللائقة كمواطن. أخيرا، في عالم تسوده المصالح المتشابكة، يتعين على الجميع العمل سوية لبناء المستقبل، ولذلك فان مسؤولية كبرى تقع اليوم أيضا على كاهل الديوان العالمي، أكثر من أي وقت مضى، لتعزيز الحوار المشترك وتواصله.

Authors


Maurice Gourdault-Montagne Ambassador of France

Tags:

   Editorial,  Global Diwan Policy,  Terrorism